آليات التنفيذ المباشر في نظام التنفيذ الجديد

آليات التنفيذ المباشر في نظام التنفيذ الجديد

Table of Contents

يشكل التنفيذ المباشر دورًا مهمّا لإنهاء المماطلة في أروقة المحاكم. ولقد كانت النزاعات المتعلقة بالأحوال الشخصية والالتزامات العينية تمثل تحديًا بالغ التعقيد؛ حيث تتداخل فيها المشاعر الإنسانية والحقوق الشرعية مع محاولات بعض المنفذ ضدهم في التهرب من أداء الحقوق الثابتة، مما يجعل استرداد الحق عمليةً مضنيةً.

غير أن المشهد العدلي اليوم يشهد تحولًا جذريًا يبعث على الطمأنينة الكاملة في نفوس أصحاب الحقوق، وذلك بعد أن حسم نظام التنفيذ الجديد الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/237)، وتاريخ 03/11/1447ه هذا الملف. ولم يكن هذا التحول العميق في بنية النظام مجرد تعديل إجرائي عابر يمكن الالتفاف عليه؛ بل هو ثورة تشريعية حقيقية تضمن وصول الحقوق إلى مستحقيها بسرعة وفاعلية قاطعة، تقطع دابر كل مماطل وتجرد المتهربين من كل الحيل.

ولذلك، فإن الغوص في أعماق نصوص نظام التنفيذ الجديد يكشف لنا بوضوح عن منظومة قانونية محكمة، لا تكتفي بإصدار الأوامر القضائية؛ بل تلاحق الامتناع بكل صرامة وقوة، مستخدمةً أحدث الآليات وأكثرها ردعًا. ولا يمكن للممتنع عن أداء التزاماته الاستخفاف بأحكام القضاء، أو استغلال الثغرات الزمنية لتعطيل مصالح وحقوق الآخرين.

ومع ذلك، لم تغفل هذه المنظومة الجوانب الإنسانية الدقيقة، لا سيما حين يتعلق الأمر بالأطفال ومصالحهم العليا التي تحظى بحماية فائقة. وسنسهب في هذا المقال لسَفر الغطاء عن هذا النظام الجديد، ونستجلي كيف تحولت نصوصه المكتوبة إلى واقع عملي يفرض سطوته؛ لحماية الأسرة والمجتمع من أي عبث.

آليات التنفيذ المباشر في نظام التنفيذ الجديد
آليات التنفيذ المباشر في نظام التنفيذ الجديد

متى يتم تفعيل إجراءات التنفيذ المباشر لأحكام الحضانة والزيارة و اقتحام المنازل بالقوة المختصة؟

لطالما كانت قضايا الأحوال الشخصية من أكثر النزاعات حساسيةً وتعقيدًا، خاصةً عندما يعمد أحد الأطراف إلى الامتناع عن تسليم المحضون، مستغلًا حرمة المسكن كدرع واهٍ لحماية تعنته ورفضه للانصياع للحق. لكن المادة التاسعة والثلاثين من النظام الجديد جاءت لتقلب الموازين؛ حيث قررت بوضوح تام وعبارات لا تقبل التأويل أن السند التنفيذي الصادر بالحضانة أو الزيارة يجب أن ينفذ جبرًا متى استدعى الأمر ذلك.

ولم تقف هذه المادة عند حد توجيه الأوامر المكتوبة؛ بل منحت المحكمة سلطةً استثنائيةً صارمة تتمثل في الاستعانة المباشرة والفورية بالقوة المختصة لدخول المنازل واقتحامها إذا اقتضى الحال؛ لضمان استرداد المحضون وتسليمه لمن صدر الحكم لصالحه دون أي تأخير. وبموجب أحكام المادة ذاتها، يعاد تفعيل هذه القوة واستخدامها كلما تكرر الامتناع أو تجددت محاولات التعطيل؛ مما يعني أن الممتنع لن يجد ملاذًا آمنًا يحميه من يد العدالة مهما حاول تكرار مخالفته.

ولتأكيد شمولية هذه الإجراءات الميدانية، نصت المادة نفسها على أن أحكام التنفيذ المباشر تسري بكامل قوتها وحزمها على كل ممتنع عن أداء التزاماته الأسرية بمختلف أشكالها. ويبعث هذا الحزم التشريعي برسالة واضحة لكل أطراف النزاع، مفادها أن أحكام القضاء في المسائل الأسرية غير قابلةً للمساومة أو التسويف، وأن قوة النظام تقف لكل من يحاول جعل حقوق الأطفال ورقة ضغط في النزاعات الزوجية.

 

كيف وازن المنظم السعودي بين الصرامة في التنفيذ المباشر وبين مراعاة مصلحة المحضون؟

على الرغم من القوة والتدابير الجبرية التي تضمنتها النصوص النظامية لردع المماطلين والمتلاعبين بالحقوق؛ إلا أن الحكمة التشريعية تجلت في أبهى صورها عندما وضعت مصلحة المحضون فوق كل اعتبار إجرائي أو نزاع شخصي. فقد جاءت المادة الأربعون من النظام لترسم إطارًا إنسانيًا دقيقًا يقيد استخدام القوة الجبرية ويوجهها الوجهة الصحيحة؛ حيث أوجبت على المحكمة أن تراعي دائمًا وبشكل أساسي ما يحقق مصلحة المحضون الفضلى أثناء تنفيذ أحكام الزيارة.

ويعني هذا التوجه الإنساني أن المحكمة لا تعمل كآلة صماء لتنفيذ النظام بحرفيته المجردة؛ بل تتمتع بسلطة تقديرية واسعة ومسؤولية عظيمة لتقييم الموقف الميداني، وتعديل مسار الإجراءات بما يتناسب مع ظروف التنفيذ الخاصة بكل حالة على حدة. وإمعانًا في توفير هذه الرعاية الفائقة والحماية النفسية للطفل، اشترطت المادة التاسعة والثلاثون أن تتم مراعاة طبيعة مسائل الأحوال الشخصية الحساسة والظروف المحيطة بها عند تطبيق أي إجراء قسري على أرض الواقع.

ويضمن هذا التوازن ألا تتحول صرامة التنفيذ المباشر إلى معول هدم لحالة الطفل النفسية والاجتماعية، أو سببٍ في إحداث صدمات لا تمحى؛ بل يجعل منها أداةً حكيمةً وموجهةً تحقق العدالة الناجزة وتسترد الحقوق المسلوبة، دون إحداث أضرار جانبية يدفع ثمنها الأبرياء من الأطفال. وبذلك، نجد أن النظام قد وفق بين بسط هيبة القضاء وتكريس الرحمة في أدق تفاصيل النزاعات الأسرية الشائكة.

 

هل يشمل التنفيذ المباشر فرض غرامات على الممتنع عن الأداء؟

لم يكتفِ المنظم بالتدخل الميداني واستخدام القوة الأمنية فحسب؛ بل استحدث آليات ضغط مالي تستهدف إجبار الممتنع على الانصياع الطوعي للأوامر القضائية قبل اللجوء النهائي إلى القوة البدنية أو الإيقاف. وبالنظر بتعمق في تفاصيل المادة السادسة والثلاثين، نجد أنها قد منحت قاضي التنفيذ صلاحيةً ماليةً استثنائيةً لمواجهة التعنت المستمر في أداء الالتزامات العينية، سواء أكانت هذه الالتزامات تتمثل في القيام بفعل محدد أم في الامتناع عن فعل معين.

فإذا تعذر التدخل العملي بالقوة المختصة لأي سبب ميداني، أو إذا كان الالتزام يقتضي بطبيعته أن يقوم به المنفذ ضده بشخصه واستمر في رفضه وامتناعه، تبادر المحكمة فورًا إلى فرض غرامة ومستمرة لا تزيد على عشرة آلاف ريال عن كل يوم يمضي دون إتمام الوفاء بالحق كاملًا. وتبعث هذه الغرامة اليومية المتراكمة والمتصاعدة رهبةً في نفس المماطل حين أصبحت تطال أمواله وثروته، ممّا يجعل من الاستمرار في العناد ورفض التسليم خيارًا مكلفًا للغاية، قد يستنزف ثروته وأمواله في وقت قصير.

ومن الجدير بالذكر أن حصيلة هذه الغرامات الإجمالية لا تذهب لحساب الدائن؛ بل تؤول مباشرةً وبقوة النظام إلى خزينة الدولة وفقًا للفقرة الثالثة من المادة السادسة والثلاثين، مما يعزز من صرامتها كعقوبة نظامية سيادية رادعة لا كتعويض مدني للدائن. ومع ذلك، فقد ترك النظام باب التراجع مفتوحًا أمام المدين؛ حيث يحق للمحكمة إلغاء هذه الغرامة القاسية أو جزءٍ منها فور تراجع الممتنع وتفعيل إجراءات التنفيذ المباشر بشكل صحيح.

آليات التنفيذ المباشر في نظام التنفيذ الجديد
آليات التنفيذ المباشر في نظام التنفيذ الجديد

ما هي الآلية التي تتحرك بها القوة الجبرية المختصة لدعم التنفيذ المباشر عندما يمتنع المدين عن التنفيذ بنفسه؟

بحسب الصياغة الدقيقة التي نصت عليها المادة السادسة والثلاثون، تنطلق هذه الآلية الجبرية بمجرد انقضاء مهلة زمنية قصيرة ومحددة بخمسة أيام عمل، تبدأ من تاريخ الإبلاغ الرسمي بأمر التنفيذ أو الإعلان عنه، دون أن يبادر المنفذ ضده بالوفاء بالتزامه طواعيةً.

وفي هذه اللحظة، تتدخل المحكمة فورًا وتصدر أوامرها الحازمة باستعمال القوة المختصة؛ للقيام بما يلزم من إجراءات لإنفاذ الحق بقوة الدولة وسلطانها، ولتجاوز أي عقبة يضعها المتهرب. وتتضمن هذه الآلية أيضًا صلاحية المحكمة في أن تخاطب الجهات المختصة ذات العلاقة بشكل مباشر وفوري لتنفيذ الالتزام متى اقتضت الحاجة ذلك؛ لضمان عدم تعطل الإجراءات.

غير أن هناك حالات نوعية دقيقة قد يتطلب فيها إنهاء النزاع قيام الشخص الممتنع بأداء الفعل بنفسه حصرًا؛ لتعلقه بشخصه أو بمهارته الخاصة التي لا يمكن لغيره القيام بها. وفي مثل هذه الحالات المعقدة التي يتعذر فيها استخدام القوة البدنية المباشرة أو الاستعانة بجهات خارجية بديلة، يلجأ النظام إلى تصعيد تدابير التنفيذ المباشر من خلال تطبيق إجراءات تشمل المنع من السفر إلى خارج المملكة وفقًا لأحكام المادة التاسعة والثلاثين، إضافة إلى فرض الغرامات المالية المتصاعدة التي فصلنا فيها سابقًا.

 

هل يمكن أن يؤدي الإصرار على عرقلة التنفيذ المباشر إلى حبس الممتنع ؟

عندما تستنفد المحكمة كافة الضغوط المالية والتدابير الإجرائية الجبرية دون أن يرتدع المنفذ ضده، وينحجب أفق الحل الودي أو التجاوب الاختياري، ينتقل النظام القانوني بصرامة ووضوح إلى مستوى أعلى وأشد من الحزم؛ لضمان عدم ضياع الحقوق المقررة. ولضمان عدم تحول إجراءات التنفيذ المباشر إلى مجرد نصوص مكتوبة تفتقر للفاعلية والتأثير الحقيقي على أرض الواقع، تدخلت المادة السابعة والثلاثون من النظام لترسم مسارًا شديد الوطأة على المماطلين الذين يتحدون أوامر المحكمة.

الإصرار على عرقلة التنفيذ المباشر يؤدي إلى حبس الممتنع
الإصرار على عرقلة التنفيذ المباشر يؤدي إلى حبس الممتنع

فبحسب التسلسل الإجرائي المنصوص عليه في النظام، تبدأ رحلة المواجهة بمنح المنفذ ضده مهلة خمسة أيام عمل للتنفيذ الاختياري، تليها إجراءات استعمال القوة المختصة ومخاطبة الجهات ذات العلاقة. وعند تعذر هذه الحلول، يتم إيقاع غرامات يومية ومنع من السفر. وإذا صمد المنفذ ضده أمام كل هذه العواقب القانونية، فقد قررت المادة السابعة والثلاثون أنه في حال مضي ثلاثين يوم عمل كاملة على اتخاذ أي من تلك الإجراءات دون أن يبادر المنفذ ضده بتنفيذ التزامه العيني طواعيةً؛ فإن المحكمة تتدخل بشكل حاسم ومباشر.

وفي هذه المرحلة الزمنية، يحق لطالب التنفيذ أن يتقدم بطلب رسمي للقضاء لإيقاع عقوبة الحبس على الممتنع. وبناءً عليه، تصدر المحكمة أمرًا قضائيًا نافذًا بحبس المنفذ ضده؛ لإجباره الفعلي على التنفيذ، وذلك لمدة زمنية ممتدة وقاسية لا تزيد على مائة وثمانين يومًا.

ولم يقف النص النظامي عند هذا الحد الزمني الذي يمثل ستة أشهر من تقييد الحرية؛ بل أجاز النظام للمحكمة تمديد هذه المدة لفترة أخرى مماثلة، بناءً على طلب جديد يُقدم من صاحب الحق؛ مما يضع المتهرب تحت ضغط نفسي وبدني ، لا يملك معه سوى الرضوخ الكامل للإرادة القضائية وتنفيذ الحكم.

وتأكيدًا على الطبيعة المدنية والإجبارية لهذا النوع من الحبس، والذي يهدف أساسًا للإجبار على تسليم الحق، وليس للتأديب الجنائي كأصل عام، أوجبت الفقرة الثالثة من ذات المادة أن يُنفذ هذا الحبس في مراكز التوقيف بمعزل تام عن المسجونين في القضايا الجزائية الأخرى المرتكبين للجرائم البارزة؛ وذلك حفاظًا على الكرامة الإنسانية للمدين، ومنعًا لاختلاطه بأرباب السوابق الجنائية.

والأهم من ذلك كله في هذه البنية التشريعية المحكمة، هو ما نصت عليه الفقرة الرابعة بوضوح لا يقبل اللبس؛ حيث أكدت على أن الحق محل السند التنفيذي لا ينقضي ولا يسقط أبدًا بانتهاء مدة الحبس. مما يقطع الطريق جذريًا أمام أي وهم أو اعتقاد خاطئ قد يراود الممتنع بأن قضاء فترة العقوبة وتقييد الحرية سيعفيه في النهاية من أداء التزامه الأصلي واسترداد الحق.

 

ما هي الحالات الإنسانية والصحية التي يُعفى فيها المنفذ ضده من عقوبة الحبس رغم إعاقته لعملية التنفيذ المباشر؟

الحالات الإنسانية والصحية التي يُعفى فيها المنفذ ضده من عقوبة الحبس رغم إعاقته لعملية التنفيذ المباشر
الحالات الإنسانية والصحية التي يُعفى فيها المنفذ ضده من عقوبة الحبس رغم إعاقته لعملية التنفيذ المباشر

على الرغم الإجراءات الرادعة التي تحيط بمسار التنفيذ المباشر لحماية مكتسبات المتقاضين؛ إلا أن الرؤية التشريعية العميقة للنظام لم تغفل الجوانب الإنسانية الدقيقة، والظروف الاستثنائية القهرية التي قد تكتنف بعض الحالات الفردية.

ففي الوقت الذي يسعى فيه المنظم بشتى الوسائل لإجبار المتعنت على الوفاء بأداء الحق المترتب عليه؛ جاءت الفقرة الثانية من المادة السابعة والثلاثين لتتوج النظام بلمسة من العدالة الإنسانية الراقية، واضعةً موانع قانونية محددة تحول دون إيقاع عقوبة الحبس الإكراهي على فئات محددة من المجتمع؛ حمايةً لضعفهم الجسدي، أو مراعاةً لظروفهم الأسرية الحساسة.

وتتمثل أولى هذه الفئات المستثناة في الفئة العمرية القاصرة؛ حيث منع النظام صراحةً حبس المنفذ ضده إذا لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره؛ وذلك مراعاةً لحداثة سنه، وحمايته من التأثيرات السلبية العميقة لبيئة أماكن الحجز المختلطة. وثاني هذه الفئات تشمل الحالات المرضية والصحية الحرجة؛ إذ يُمنع إيقاع عقوبة الحبس متى ثبت للمحكمة، بموجب تقرير طبي رسمي ومعتمد من الجهات الصحية المختصة، إصابة الشخص الممتنع بمرض لا يتحمل معه المكوث في السجن، أو قد يتسبب الحبس في مضاعفات خطيرة ومباشرة على حياته.

أما الفئة الثالثة، فتبرز فيها مظاهر الرحمة وحفظ الكيان الأسري وحقوق الطفولة؛ حيث لا يجوز مطلقًا وتحت أي ظرف حبس المرأة الحامل التي تحمل جنينًا في أحشائها، وكذلك المرأة التي ترعى طفلًا رضيعًا لم يتجاوز الثانية من عمره. وذلك لضمان عدم تأثر الطفل البريء بتبعات النزاع القانوني المرير بين أبويه، وتجنيبه المعاناة القاسية الناتجة عن الانفصال القسري عن والدته في أهم مراحل الرضاعة والرعاية المبكرة.

وأخيرًا، اعتنى النظام بالروابط الأسرية العميقة وصلات الدم بمنعه المطلق لحبس المنفذ ضده إذا كان من أصول طالب التنفيذ، كالأب أو الأم، أو من فروعه كالابن أو البنت؛ وذلك تقديرًا لحرمة صلة الرحم، وتجنبًا لتفاقم القطيعة الأسرية وإيصال النزاع العائلي إلى مرحلة الجفاء والقطيعة التي تدمر النسيج الاجتماعي بالكامل.

 

كيف طوقت العقوبات الجزائية كل من يتجرأ على مقاومة التزامات التنفيذ المباشر في قضايا الولاية أو الحضانة؟

لم تقتصر معالجة النظام الجديد لمسألة الامتناع على توجيه التدابير المدنية والإجبارية المعتادة حصرًا؛ بل امتدت الرؤية التشريعية لتشمل إقرار عقوبات جزائية رادعة، تحمي إجراءات التنفيذ المباشر من أي محاولة للتعطيل المتعمد، أو التمرد الصريح، أو التلاعب المستمر بأحكام القضاء القطعية.

وبالانتقال للتحليل المعمق للباب السادس من النظام والذي يتناول الجرائم والعقوبات الصارمة بشكل مفصل، نجد أن المادة الرابعة والخمسين قد شكلت جدارًا رادعًا لحماية القضايا الأسرية شديدة الحساسية؛ حيث فرضت عقوبة السجن الصريحة والمباشرة لمدة تصل إلى تسعين يومًا، مقرونةً بغرامة مالية تصل إلى ثلاثين ألف ريال، أو إيقاع إحدى هاتين العقوبتين الموجعتين وفقًا لما تقدره المحكمة المختصة بناءً على جسامة الفعل.

وتطال هذه العقوبات كل من سوّلت له نفسه، سواء أكان من الوالدين المتنازعين أم من غيرهما، الامتناع عن تنفيذ أوامر قضائية باتة صادرة في مسائل الحضانة، أو الولاية، أو الزيارة، أو من يثبت يقينيًا أنه قاوم عملية الاستلام والتسليم أو تعمد تعطيل مسارها الميداني بكل السبل الممكنة.

واللافت للانتباه في صياغة هذا النص الجنائي، أنه لم يقتصر في توجيه الاتهام وتوقيع العقاب على الوالدين فحسب؛ بل اتسع نطاقه بذكاء ليعاقب أي طرف خارجي “أو غيرهما” يتورط في مقاومة الإجراءات النظامية أو تعطيلها، كأحد الأقارب الذي يخفي المحضون لديه في منزله، أو أي شخص يحاول جسديًا أو معنويًا منع القوة المختصة من أداء مهامها الميدانية لفرض سلطة النظام؛ مما يغلق كافة منافذ التلاعب والتهرب التي تضيع معها الحقوق.

وتجدر الإشارة القانونية الهامة هنا إلى أن هذه الجريمة الجنائية تعد مستقلةً تمامًا عن مسألة الحبس المدني الإكراهي المذكورة سابقًا؛ فهذه العقوبة هي بمثابة عقوبة تأديبية جنائية تُنظر ويُفصل فيها بعناية، استنادًا إلى أحكام المادة الثامنة والأربعين والمادة التاسعة والأربعين اللتين منحتا جهة التحقيق سلطة تتبع هذه الجرائم والمخالفات، بوصفها مساسًا خطيرًا بالنظام العام وهيبة القضاء، والمطالبة الصارمة بإيقاع أقصى العقوبات على مرتكبيها، وتطبيق المقتضى النظامي الحازم في مواجهتهم.

ولم يكتفِ النظام بالعقوبات الأصلية الرادعة؛ بل تضمنت المادة السادسة والخمسون حكمًا مشددًا إضافيًا يجيز للمحكمة مضاعفة العقوبة المحكوم بها في حالة العود لتكرار هذه الجرائم، حتى لو أدى ذلك بشكل مباشر إلى تجاوز الحد الأقصى المقرر نظامًا للعقوبة، بشرط ألا تتجاوز العقوبة الجديدة ضعف هذا الحد الأقصى.

وإمعانًا في محاصرة المخالفين مجتمعيًا، أعطت المادة الثامنة والخمسون للمحكمة المختصة صلاحيةً قويةً بتضمين منطوق حكمها النص على نشر ملخص العقوبة على نفقة المحكوم عليه في صحيفة محلية تصدر في مكان إقامته؛ ليكون هذا التشهير رادعًا أدبيًا واجتماعيًا يمنع أي شخص من الاستهانة بأحكام التنفيذ.

 

     وفي الختام،

يتجلى بوضوح تام أن المنظومة الحديثة قد نجحت في خلق مسار محكم وفاعل، عبر آليات التنفيذ المباشر؛ لضمان حماية الأسرة والمجتمع من أي عبث أو استخفاف بحجية الأحكام القضائية المكتسبة للقطعية. ولم يترك هذا البناء القانوني المتين شاردة ولا واردة في سياق النزاعات الأسرية والالتزامات العينية، إلا وأحاطها بسياج من الضمانات المتوازنة، التي تجمع بتناغم بين الحزم الجبري الرادع ضد المماطلين والمتلاعبين بحقوق المتقاضين، وبين الرحمة الإنسانية تجاه الحالات المريضة والضعيفة المستحقة للاستثناء الطبيعي.

للتواصل معنا

آليات التنفيذ المباشر في نظام التنفيذ الجديد
آليات التنفيذ المباشر في نظام التنفيذ الجديد
SHARE :

Keywords

Leave a Comment

Post Your Comment

شركة عبدالعزيز بن باتل للمحاماة والاستشارات القانونية
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.