يُعد نقل ملكية العلامة التجارية من أبرز التصرفات القانونية التي تحوّلت فيها العلامة التجارية من مجرد أداة تمييز إلى أصل معنوي قابل للتداول والتصرف، سواء بمقابل أم بدون مقابل، كليًا أو جزئيًا، بالإرث أو الهبة أو الوصية، بل وقد تمتد لتكون محلًا للرهن أو الحجز، وفق تنظيم نظامي دقيق رسم معالمه نظام العلامات التجارية لدول مجلس التعاون الخليجي ولائحته التنفيذية بصورة دقيقة ومترابطة. ولم يكتفِ هذا النظام بإقرار جواز التصرف في العلامة، بل وضع ضوابط مُحكمة تضمن تقييد أي نقل أو رهن أو حجز في السجل الرسمي، مع اشتراط النشر والإشهار النظامي كشرط لاكتساب التصرف لحجيته تجاه الغير.
وقد توسّع المنظم الخليجي في بيان صور وآليات نقل ملكية العلامة التجارية وما يرتبط بها من آثار، فوضع قرائن قانونية لحالات ضم العلامات عند انتقال المحل التجاري، وفرض إجراءات شكلية صارمة لإثبات هذا النقل أمام الغير، وامتد ليقرن صحة الرهن أو الحجز بضرورة صدورهما وفقًا لقرارات قضائية أو مستندات موثقة، مع ضرورة استكمال سلسلة التأشير والإشهار لضمان الشفافية القانونية. وتبعًا لذلك، جاءت الأحكام متكاملة لتُرسي أساسًا قانونيًا متينًا للتصرفات التي ترد على العلامة، سواء كانت تصرفات ناقلة للملكية، أم كفالات عينية كرهن العلامة، أم إجراءات تحفظية كالحجز، بما يعكس رؤية تشريعية متقدمة تعزز من مكانة العلامة كعنصر من عناصر الثروة التجارية القابلة للتداول النظامي الآمن.

أولًا: متى يجوز نقل ملكية العلامة التجارية؟ وما صور هذا النقل؟
يُعد نقل ملكية العلامة التجارية أحد التصرفات النظامية التي نظمها نظام العلامات التجارية لدول مجلس التعاون الخليجي بصورة دقيقة، حيث أفرد له المادة (27) من النظام التي قررت بوضوح أن نقل ملكية العلامة التجارية يجوز أن يكون كليًا أو جزئيًا، سواء بعوض أم بدون عوض. ويشمل ذلك الحالات التي يتم فيها التصرف في العلامة بالبيع أو التنازل أو أي صورة أخرى من صور انتقال الحقوق النظامية. كما نصت المادة ذاتها على جواز رهن العلامة التجارية أو الحجز عليها، بشرط أن يتم ذلك مقترنًا بالمحل التجاري أو مشروع الاستغلال الذي تُستخدم العلامة لتمييز سلعه أو خدماته، ما لم يتفق صراحة على خلاف ذلك.
وقد أضافت الفقرة الثانية من المادة (27) من النظام صورة أخرى من صور نقل ملكية العلامة التجارية، حيث أجازت أن يتم الانتقال بالوصية أو الإرث أو الهبة، ما يعكس إدراك المنظم لإمكانية انتقال هذا الحق التجاري بطريق من طرق التملك غير المعاوضة، شريطة أن يتم ذلك وفقًا للأوضاع والإجراءات المنصوص عليها في النظام ولائحته التنفيذية.
وفي الإطار ذاته، أوضحت المادة (28/1) من النظام أنه إذا تم نقل ملكية المحل التجاري أو مشروع الاستغلال، فإن هذا النقل يفترض اشتماله على العلامات المسجلة باسم الناقل، والتي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالمحل أو المشروع، ما لم يُتفق على خلاف ذلك. وتُعد هذه القرينة النظامية من وسائل حماية المشتري أو الخلف، وتمكنه من الاستفادة من العلامة في إطار النشاط التجاري نفسه.
أما المادة (24) من اللائحة التنفيذية للنظام، فقد تولّت تفصيل المتطلبات الإجرائية اللازمة لتقديم طلب نقل ملكية العلامة التجارية، ونصّت على أن الطلب يُقدَّم من المالك الجديد أو وكيله المعتمد، بعد سداد الرسم، على النموذج المعد لذلك، ويجب أن يتضمن الطلب مجموعة من البيانات الأساسية، منها: رقم وفئة العلامة التجارية، وبيانات المالك السابق وعنوانه، واسم المالك الجديد عنوانه وجنسيته، وتاريخ انتقال الملكية أو التصرف، واسم الوكيل إن وُجد، مرفقًا بما يُثبت واقعة النقل قانونًا، وما يثبت مزاولة النشاط، إضافة إلى أصل الوكالة- إن كان الطلب مقدمًا من وكيل.
وتطرقت المادة (25) من اللائحة إلى حالة وفاة مالك العلامة التجارية إذا كان شخصًا طبيعيًا، حيث أكدت على حق ورثته الطبيعيين في تقديم طلب نقل ملكية العلامة التجارية باسمهم مجتمعين أو لأحدهم، شريطة وجود تنازل موقع ممن له الحق في العلامة، ما يضمن اتساق التصرف مع قواعد التوريث.
ومن خلال الربط بين المواد النظامية والتنفيذية السابقة، يتضح أن نقل ملكية العلامة التجارية قد يتم بعدة صور نظامية سواء كانت بمقابل أو دون مقابل، وبالإرث أو الهبة أو الرهن، مع اشتراط التقيد التام بالإجراءات الشكلية المنصوص عليها، خاصة ما يتعلق بالنماذج النظامية والبيانات الجوهرية والمستندات الرسمية، وهو ما سيتم بيانه تفصيلًا في العنصر التالي المتعلق بإثبات هذا النقل رسميًا.
ثانيًا: ما الشروط والإجراءات النظامية لإثبات نقل ملكية العلامة التجارية؟
لكي يُعتد قانونًا بأي تصرف يتعلق بـنقل ملكية العلامة التجارية تجاه الغير، فقد اشترط نظام العلامات التجارية الخليجي توافر إجراءات محددة وحتمية، أبرزها التأشير في سجل العلامات التجارية وإشهار النقل بوسائل النشر الرسمية المعتمدة، وذلك وفقًا لما نصت عليه المادة (27/3) من النظام صراحة، والتي قررت أن نقل ملكية العلامة أو رهنها أو الحجز عليها لا يُحتج بها على الغير إلا بعد إتمام التأشير بها في سجل العلامات التجارية، وإشهارها بالطرق النظامية.
وتفصيلًا لهذه الإجراءات، جاءت المادة (26) من اللائحة التنفيذية لتوضح كيفية تنفيذ هذه الاشتراطات، حيث ألزمت الإدارة المختصة بإعداد إعلان رسمي عن واقعة نقل ملكية العلامة التجارية، على أن يتضمن الإعلان البيانات الأساسية التالية: رقم العلامة التجارية المسجلة وفئتها، واسم المالك السابق للعلامة، واسم المالك الجديد وعنوانه وجنسيته. ويُعد هذا الإعلان شرطًا لا غنى عنه لإتمام عملية النشر، التي لا تكتمل إلا بعد دفع التكاليف النظامية المستحقة للنشر.
وبعد ذلك، تقوم الإدارة المختصة بالتأشير في سجل العلامات التجارية بواقعة نقل الملكية، وتوثيق البيانات ذات الصلة، وهو ما يمنح هذا الإجراء الصفة القانونية الملزمة في مواجهة الكافة. ولا يُعتبر نقل ملكية العلامة التجارية منتجًا لآثاره النظامية الكاملة إلا من تاريخ هذا التأشير والإشهار، وليس من تاريخ التصرف ذاته أو توقيع العقد أو الاتفاق بين الطرفين.
ومن الجدير بالذكر أن عدم الالتزام بهذه الخطوات الشكلية – بالرغم من صحة التصرف من حيث المبدأ – يجعل أثر نقل ملكية العلامة التجارية قاصرًا على أطرافه المباشرين دون أن ينتج أثرًا في مواجهة الغير، مما قد يخلق ازدواجية في المراكز القانونية ويعرّض العلامة التجارية لمنازعات قانونية محتملة.
وتبرز أهمية هذا الإجراء بوجه خاص في حال وجود تراخيص استعمال أو نزاعات قضائية أو انتقال لاحق، حيث لا يعتد بأي انتقال أو تصرف دون مروره عبر القنوات الرسمية للتأشير والإشهار، على نحو ما قررته نصوص النظام واللائحة بشكل قاطع.
ثالثًا: كيف يتم رهن العلامة التجارية؟ وما إجراءات فك الرهن؟
أجاز نظام العلامات التجارية الخليجي صراحةً رهن العلامة التجارية كأحد التصرفات النظامية التي يمكن أن ترد على الحق المعنوي المرتبط بها، وذلك وفقًا لما نصّت عليه المادة (27/1) من النظام، والتي قررت إمكانية الرهن سواء كان ذلك مع المحل التجاري أم مشروع الاستغلال، ما لم يُتفق على خلاف ذلك. إلا أن النظام لم يكتف بتقرير هذه الإمكانية، بل شدد في المادة (27/3) على أن هذا الرهن لا يُعتد به قانونًا في مواجهة الغير إلا بعد التأشير به في سجل العلامات التجارية، والإشهار عنه وفقًا لما تحدده اللائحة التنفيذية.
وبالرجوع إلى المادة (27) من اللائحة التنفيذية، فقد تقرر أن يتم التأشير بالرهن في السجل وفقًا لذات الأوضاع والإجراءات المتبعة في نقل ملكية العلامة التجارية، بما في ذلك تقديم الطلب الرسمي وسداد الرسوم المقررة، مع مراعاة تضمين بيانات الإشهار ذاتها التي نصت عليها المادة (25) من اللائحة، بما فيها اسم مالك العلامة، والرقم، والفئة، والمستفيد من الرهن، وغير ذلك.
ولا يقف التنظيم عند حد تقرير إجراءات الرهن، بل يمتد أيضًا إلى بيان الكيفية النظامية لفك رهن العلامة التجارية، حيث خصصت المادة (28) من اللائحة لذلك أحكامًا تفصيلية؛ فأوجبت تقديم طلب رسمي إلى الإدارة المختصة من مالك العلامة، مرفقًا بالمستندات الدالة على زوال الرهن، على أن تكون هذه المستندات موثقة ومصدقة حسب الأصول ومترجمة إلى اللغة العربية. ويُشترط أيضًا سداد الرسوم المقررة وفاتورة تكاليف النشر.
وبعد استكمال تلك المتطلبات، تقوم الإدارة المختصة بالإشهار عن واقعة فك الرهن في النشرة الرسمية التي تصدرها أو تحددها الجهة المختصة، ثم يتم التأشير بذلك في سجل العلامات التجارية، وتزويد مقدم الطلب بما يثبت تمام العملية.
وتُعد إجراءات الرهن وفكه من أهم الضمانات التي تحمي الحقوق المالية المتعلقة بنقل ملكية العلامة التجارية أو استخدامها كأداة ضمان عيني في المعاملات، بما يعزز من دور العلامات التجارية كأصول قانونية قابلة للتصرف، ومؤهلة للدمج ضمن النظام المالي الرسمي.
رابعًا: ما ضوابط الحجز على العلامة التجارية؟ ومتى يُلغى؟
أفرد نظام العلامات التجارية لدول مجلس التعاون الخليجي في المادة (27/1) حكمًا صريحًا يُجيز الحجز على العلامة التجارية، وذلك سواء تم هذا الحجز مع المحل التجاري أم مع مشروع الاستغلال المرتبط بالعلامة، ما لم يوجد اتفاق ينص على خلاف ذلك. ويأتي هذا النص ضمن تأكيد النظام على قابلية العلامة لأن تكون محلًا للحقوق المالية والتنفيذية، باعتبارها من الأصول المعنوية ذات القيمة النظامية.
إلا أن المادة (27/3) من النظام وضعت قيدًا جوهريًا على حجية الحجز تجاه الغير، فنصّت على أنه لا يكون لهذا الحجز أي أثر نظامي ما لم يتم التأشير به في سجل العلامات التجارية، إلى جانب إشهاره بالوسيلة التي تُحددها اللائحة التنفيذية. ويُعد هذا القيد تجسيدًا لمبدأ العلانية في التصرفات القانونية المتعلقة بالعلامات.
وقد أكدت المادة (29) من اللائحة التنفيذية ذات المنهج النظامي، إذ اشترطت أن يتم التأشير بالحجز بناء على أمر قضائي صادر من المحكمة المختصة، بما يضفي على الإجراء صفة الإلزام القضائي ويمنع تعسف الدائنين. كما قررت ذات المادة أن إلغاء الحجز لا يتم إلا بناء على حكم قضائي نهائي، ما يمنح العلامة التجارية حماية مزدوجة من الحجز التعسفي أو الإلغاء غير المشروع.
ولا يُنفّذ الحجز أو يُلغى إلا من خلال إدارة العلامات المختصة، والتي تقوم بالتأشير النظامي في السجل المخصص لذلك، وفقًا للضوابط والبيانات المعتمدة. ويدخل ذلك ضمن المعاملات القابلة للتوثيق والإشهار العلني، شأنها شأن نقل ملكية العلامة التجارية أو رهنها.
ومن ثم، فإن الحجز على العلامة يُعد وسيلة نظامية مشروعة لحماية الحقوق، بشرط التزام جميع الأطراف بالضوابط القضائية والتنفيذية المنصوص عليها، بما يضمن الموازنة بين حماية الدائنين وحقوق مالك العلامة الأصلي.
وفي ختام المقال،
يبدو جليًا أن نظام العلامات التجارية لدول مجلس التعاون الخليجي قد أرسى منظومة قانونية متماسكة تُعلي من شأن الضبط الإجرائي والتنظيمي في جميع مراحل نقل ملكية العلامة التجارية أو رهنها أو الحجز عليها، واضعًا بذلك أساسًا قانونيًا متينًا يحمي مراكز الأطراف ويحول دون نشوء نزاعات قائمة على تصرفات غير معلنة أو غير موثقة. وتبرز دقة التشريع في حرصه على ربط كل تصرف بمعايير إشهار وتوثيق وتأشير رسمية تُعد شرطًا لازمًا لفعالية التصرف ونافذيته تجاه الغير، سواء كان النقل بمقابل أم بغير مقابل، أو كان الرهن ضمانًا، أو الحجز إجراءً تحفظيًا مقيدًا بقيد قضائي.
وبناءً على ما تقدم، نوصي الشركات والمؤسسات والأفراد المالكون للعلامات التجارية بضرورة عدم الاكتفاء بإبرام عقود نقل الملكية أو الرهن أو إثبات الحجز ضمن نطاق خاص أو قضائي فقط، بل يجب المبادرة فورًا إلى استيفاء الإجراءات الشكلية المطلوبة، وعلى رأسها التأشير النظامي في سجل العلامات التجارية والإشهار الرسمي لدى الجهات المختصة، لضمان سريان الأثر القانوني للتصرف على الغير، وتفادي بطلان الحماية أو ضياع الحقوق نتيجة تقصير في الشكل، أو خلل في إجراءات النشر والتقييد.
